الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

49

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الإنسان حقيقة في البليد أقول من البين أن الحكم بعدم صحّة سلب معاينة الحقيقية في معنى الحكم بعدم معنى حقيقي للإنسان يجوز سلبه عن البليد فإن كلا من معاينة الحقيقية إذا لم يصح سلبه عنه فليس هناك معنى يصح سلبه عن ذلك ضرورة امتناع اجتماع المتنافيين في المعنى المفروض فهذان مفهومان متغايران متلازمان في مرتبة واحدة من الظهور والعلم بكل منهما علم بالآخر على سبيل الإجمال وإن لم يكن العالم به متفطنا له بالعنوان الآخر فدعوى التوقف المذكور بيّن الفساد وحينئذ فادّعاء إضمار الدور غير سديد إذ العلم بعدم صحة السّلب كل من المعاني الحقيقية عن المعنى المفروض متوقف على العلم بكون اللّفظ حقيقة فيه والمفروض أن العلم به يتوقف على العلم بعدم صحة السّلب وأيضا فالمطلوب في علامة الحقيقة إثبات الوضع للمعنى المفروض أو اندراجه في الموضوع له على ما يأتي تفصيله وهو حاصل لعدم صحة السّلب في الجملة فلا يعتبر فيه عدم صحة السّلب كل واحد من المعاني حسبما ذكروه ويظهر بذلك أيضا فساد ما ذكره من إضمار الدّور من وجه آخر وقد أشار الفاضل المذكور إلى ذلك إلا أنّه طالب بالفرق بين ذلك والمجاز حيث اعتبروا فيه صحة السّلب كل معاينة الحقيقة قال نعم لو قلنا إن عدم صحة السّلب علامة الحقيقة سالبة جزئية كما هو الظاهر فلا يحتاج إلى إضمار الدّور لكنه لا يثبت به إلا الحقيقة في الجملة وبالنسبة وعلى هذا فلم يكتفوا في حدّ المجاز بالموجبة الجزئيّة ويقولوا إن صحّة السّلب بعض الحقائق علامة المجاز في الجملة وبالنّسبة قلت الفرق بين الأمرين بيّن لا خفاء فيه إذ من الظاهر أن المطلوب في أمارة الحقيقة استكشاف الموضوع له [ الوضع له ] أو اندراجه فيما وضع له وفي المجاز عدم كونه كذلك وظاهر صدق الأوّل مع تحقق الوضع والاندراج في الجملة لصدق الموجبة رأسا وبتقرير آخر المأخوذ في الحقيقة تحقق الوضع للمعنى والمعنى المأخوذ في المجاز عدم تحقق الوضع له فإطلاق كونه حقيقة فيه إنما يكون مع تعلق الوضع به في الجملة لا الوضع فيه واندراجه في جميع المعاني التي وضع اللفظ بإزائها إذ ذاك مما لم يعهد اعتباره في ذلك ولا يجري في معظم الألفاظ المشتركة لظهور صحّة سلب بعض معانيها عن بعض وعدم اندراج مصاديق البعض في الآخر غالبا ولذا يحكمون باندراج اللفظ في المشترك مع تعدّد الأوضاع ولا يجعلونه من الحقيقة والمجاز وإن كان اللفظ مجازا في كل منهما لو فرض استعماله فيه لا من جهة الوضع له بل من جهته مناسبة للمعنى الآخر والحاصل أنه إذا لوحظ اللفظ والمعنى فإن كان اللفظ موضوعا بإزائه كان حقيقة فيه وإلا كان مجازا ولا واسطة بين الوجهين والمقصود في المقام هو بيان الإفادة على كل من الأمرين ولا يراد هنا بيان حال الاستعمال الخاص التابع لملاحظة المتكلم نعم يمكن استعلام ذلك بعد بيان العلامتين فإنه إذا لوحظ ذلك بالنسبة إلى المعنى الخاص من الجهة الملحوظة في نظر المتكلم أفصح وأما الثاني فلا يصدق إلا مع انتفاء الوضع والاندراج له الحال في ذلك الاستعمال أيضا ومع النقض عن جميع ما ذكرناه فإنما يتم ما ذكره بالنسبة إلى تعدد فيه المعنى مع عدم صحة سلب شيء من معاينة المتعددة عن المصداق المفروض وهو أن يثبت في الألفاظ فليس إلاّ في نادر منها فلا إضمار في الدّور بالنسبة إلى غيره فكيف يقرره ذلك على سبيل الإطلاق هذا ويمكن تقرير الدّور مضمرا في المقام بوجه آخر وذلك بأن يقال إن الحكم بعدم صحة سلب المعنى المراد حال الإطلاق موقوف على فهم المعنى المراد منه حينئذ ضرورة توقف الحكم على تصوّر المحمول وفهم المعنى منه حال الإطلاق موقوف على العلم بالوضع إذ المفروض انتفاء القرينة والعلم بالوضع أيضا موقوف على الحكم بعدم صحة السّلب إذ المفروض استعلامه به وكونه أمارة عليه وهذا التّقرير في إيراد الدور في المقام نظير ما مر في إيراده على التبادر إلا أنّ وروده هناك على سبيل التصريح وهنا على نحو الإضمار وقد يقرر هنا أيضا مصرّحا بأن يقال إن الحكم بعدم صحة سلب المعنى المفهوم حال الإطلاق يتوقف على العلم بما وضع اللّفظ له لتوقف تصوّره حينئذ على العلم بالوضع والعلم بما وضع اللفظ له موقوف على الحكم بعدم صحة السّلب لكنّك خبير بأن التوقف الأول ليس توقفا أوليا بل بواسطة توقفه على فهم المعنى المراد حال الإطلاق المتوقف على ذلك فيكون الدور مضمرا بحسب الحقيقة وأن ترد مصرّحا في الصّورة الثالث النقض جزء المعنى وخارجة المحمولين عليه من الكليات الذاتية والعرضيّة فإنه لا يصح سلب شيء منها عنه ومع ذلك ليس شيء من تلك الألفاظ موضوعا بإزائه وليس استعمالها فيه حقيقة قطعا بل ربّما يخرج عن دائرة المجاز أيضا كاستعمال الموجود في مفهوم الحيوان الناطق ونحوه والجواب أمّا عن الأوّل فيبتني على تحقيق الكلام في الأمارتين المذكورتين وما يراد بهما وما يستفاد منهما بعد إعمالهما فنقول قد يكون الموضوع في ذلك القضية غير المفهوم الّذي يراد معرفة وضع اللفظ بإزائه وعدمه وحينئذ فالمراد باللفظ الّذي يراد استعلام حال الواقع في المحمول أمّا مفهوم المسمّى بذلك اللفظ وما بمعناه أو المعنى الذي يفهم من إطلاقات اللّفظ عند العالم بالوضع على سبيل الإجمال فيكون الحمل الملحوظ فيه متعارفا في الأول وذاتيا في الثاني وقد يكون الموضوع فيه خصوص المصداق مع العلم بعدم ثبوت الوضع بخصوصه وحينئذ قد تكون المراد من اللفظ المفروض الواقع في المحمول هو المعنى المنساق منه حال الإطلاق عند العارفين بالوضع على سبيل الإجمال وقد يكون خصوص معنى الذي وضع اللفظ بإزائه المعلوم على معنى الذي التفصيل فهذه وجوه ثلاثة في العلامة المذكورة فعلى الأول يستكشف بها خصوص ما وضع اللفظ بإزائه لوضوح كون عدم صحة سلب المسمى وبذلك اللفظ عنه شاهدا على كونه مسماة وكذا عدم صحة سلب المفهوم من اللفظ حال الإطلاق عن ذلك المفهوم دليل على كونه عين ذلك المفهوم ضرورة صحة سلب كل مفهوم عن المفهوم المغاير له ولما كان المفهوم من اللفظ حال الإطلاق هو معناه الحقيقي لما عرفت في التّبادر ودل عدم صحة السّلب على اتحاد المعنيين يثبت كون المعنى المفروض هو الموضوع له والفرق حينئذ بينه وبين التبادر مع ما هو ظاهر من اختلاف الطريق وإن كان المناط فيهما واحدا وأن المعنى المفهوم حال الإطلاق ملحوظ في التبادر على سبيل التفصيل وإنما يقصد بملاحظة تبادره معرفة كونه موضوعا له بخلاف المقام فإنه ملحوظ عنده على سبيل الإجمال ويستكشف التفصيل بملاحظة عدم صحة سلبه عن ذلك المفهوم الملحوظ في جانب الموضوع له وعلى الثاني فالمفهوم الذي وضع اللفظ بإزائه مجهول أيضا ويراد بملاحظة عدم صحة السلب المعنى المفهوم حال الإطلاق استعلام حال المصداق وكذا حال نفس الموضوع له من